مقال

عندما يكون الاعلام آلية تزييف

 

 

 

من اهم خصائص الشخصية التونسية المجاملة… والمجاملة كما يعلم الكل تفهم ايضا في سياقات معينة على انها ضرب من النفاق. والتونسي يجامل ويجمل الواقع كما يجمل احيانا بعض الاشخاص. وتعتبر هذه السلوكيات جزء مما يعبر عنه بالذكاء الاجتماعي le savoir-vivre لكن ايضا اذا زادت المجاملة عن حدها انقلبت الى نفاق اي الى تزييف للواقع وانكار وتنكر للحقائق… وهذا امر غير محمود بل مرفوض. ولعل من اخطر اشكال النفاق، النفاق في المجال السياسي كونه يتعلق بمصير الشعب، مصير المجموعه الوطنية.

في هذا السياق نذكر جيدا نقاشات وحوارات الانتخابات والانتخابات الرئاسيه على وجه الخصوص. نذكر جيدا انه بالنسبة لبعض المرشحين الاعلام منحهم اعفاء مشقة عرض برنامج انتخابي بتفاصيله باركانه بابوابه وفصوله . الاعلام منح الفوز لبعض المرشحين وصوّت لهم قبل موعد الانتخابات.

الكل يذكر من وافته المنيه رحمه الله والذي كان يقدم تقريبا ثلاثة جمل والاعلام كان يجامل ويصفق ويلمّع ويزيّن… مرشح اخر صرح بما اتفق من الشعارات والعموميات بل انه ذهب الى حد القول بان ليس له برنامجا اصلا… ولم يشيطنه الاعلام بل العكس تماما فتح له كل المجالات لان يصول ويجول وان يتحدث باريحية في عموميات وشيئيات تافهة لا جدوى منها ولا موضوع لها…

في المقابل نجد نفس هذا الاعلام متحامل ينتصب بطريقة فوضوية كمحكمة تفتيش سياسي للبحث في عيوب المترشح الجديد، وان لم توجد ايجادها وخلقها وابتداع شبهات في نواياه والحكم عليه والتشكيك في نزاهته والاصرار على أسئلة المؤامرة مثل: من يقف وراءه والسعي الى تصغيره وتقزيمه والنيل منه كلاميا والانتقام منه كونه “تطاول” على المقامات والمناصب العليا… فيتحول اللقاء او التعليق الى سلخ وسحل لبعض المرشحين غير المرغوب فيهم من الاعلاميين.

امر مستهجن وغير لائق ولا مقبول من الاعلام ان يتحول الى جهاز بروباغندا لصالح هذا المرشح او ذاك … لاسباب نعرفها جيدا… المفروض ان الحرفية تقتضي ان يكون العمل الاعلامي مؤسسا على بحث، ودراسة، وان يكون اي حوار قائما على الموضوعية والمهنية والعدل بين المرشحين وان توجب النزاهة عدم التحامل على هذا او ذاك وخاصة عدم الكيل بمكيالين في علاقة بالشخصيات المشكلة للواقع السياسي مهما كان هذا الواقع ومهما كانت هذه الشخصيات.

المؤسف ان ازمة الاعلام تتعمق … بل انها تتخذ يوما بعد يوم خطورة اعظم مما كانت عليه. واخر التخريجات الغريبة لاعلامنا المحترم انه في الانتخابات الرئاسية، حتى البحث والتفتيش في الاصل والسيرة الذاتية والمستوى العلمي والخبرة المهنية لم تعد تعني عباقره الاعلام عندنا بما انهم ينطلقون في رجم المرشح وفي ترذيله دون اي معرفة لا باصله ولا بفصله ولا بمسيرته ولا بمستواه الاكاديمي ولا باي مسالة من شانها ان تنير الراي العام عن حقيقة المرشح وما يطرحه من افكار وما يقدمه من تصورات ومن حلول ورؤى وبرامج.

وهذا بالطبع يؤكد ان الاعلام بصدد التحيل على الراي العام، بما ان التاثير على اتجاهات الراي العام هي بدورها جزء لا يتجزا من العملية الانتخابية. تلك التي يمكنها ايضا ان تتحول الى احدى اليات تزيف العملية الانتخابية. اردت ان اشدد على هذا الامر الخطير الذي لا يمكن القبول به في بلد يحترم نفسه ومن اعلام يحترم ويقدس منته وفي طبقه سياسية تريد ان تكون في مستوى مسؤولياتها التاريخية تجاه شعبها.

د/ ليلى الهمامي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى