مقال

الحلال بيّن والحرام بيّن ” الجزء الثامن

إعداد / محمــــد الدكـــرورى

 

ونكمل الجزء الثامن مع الحلال بيّن والحرام بيّن، ومن أحد المظاهر البارزة في أكل الحرام، والذى أخذ فى نخر بنية المجتمع بشكل فظيع، والتهم أموال المغفلين بالباطل، فتفاقمت الأحقاد، وانتشرت العداوة، وكثرت الخصومات، إنه “القمار” الذى ما دخل بيتا إلا أفسده، ولا تمكن من قلب إلا أهلكه، ولا استشرفت له نفس إلا أفلست، فقال تعالى “يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون” وإن ما يجري الآن، هو امتداد لعلمنة القمار، الذى أفسد المجتمعات الغربية، وأرادوا منا اقتداءهم في هذا الفساد، الذى جعل المدمنين منهم يصلون درجة تسمى بالقمار المرضي” وقد صنف خبراء منظمة الصحة العالمية، الهوس بالقمار مع أمراض الإدمان، ويوجد بعض المستشفيات في الغرب متخصصة في معالجة إدمان القمار، الذي أصبح مشكلة اجتماعية متفاقمة عندهم، حيث أوضحت دراسة أعدتها “جامعة هارفارد”، أن من أعراض هذا المرض أمورا منها الاكتئاب والتوتر الشديدان، وفقدان القدرة على النوم.

 

وهذا يؤدي إلى الهروب من الواقع إلى عالم المخدرات، وفقدان التواصل، وربما الانتحار، وكذلك فإن إن للقمار أضرارا عظيمة منها أنه سبب في نشر العداوة والبغضاء بين المتقامرين، الذين قلما ينتهي لعبهم سالما من الخصومات والمشاجرات، وربما المقاتلة، فقال تعالى فى كتابه العزيز ” إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون” فكم مقامرا قتل خصمه بسبب خلاف حول طريقة اللعب؟ وكم زوجا أحرق زوجته، لأنها أبت أن يقامر بمالها بعد أن استنفد ماله، أو بسبب رفضها جعل بيتها وكرا لأصدقائه المقامرين؟ وأيضا هو سبب للتهاون في أداء الواجبات والعبادات، كالصلاة، وذكر الله، وطاعة الوالدين فقال تعالى ” ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة” وأيضا هو سبب في الانتقال من الغنى إلى الفقر، وقد يحصل ذلك في ليلة واحدة، ومنهم من يستدين بعد غنى، مما يسبب قلقا، وتفككا أسريا، وتذمرا، واكتئابا، وانزواء، وهزالا، وهو أيضا دعوة إلى التكاسل والتواكل، وإضعاف القوة العقلية.

 

بترك الأعمال المفيدة، واتخاذ الأسباب الشرعية لتحصيل المال، كالتجارة، والفلاحة، والصناعة وغيرها، مع الاستسلام لخطوات الشيطان، الذى يداعب أحلام المقامرين بالغنى الفاحش، مقابل دفع مبالغ زهيدة، وهو أيضا سبب لانتشار الأزمات النفسية، وارتفاع الضغط، بسبب السهر، والأرق، وكثرة الانفعالات والتوترات النفسية، والصدمات العصبية، والخوف من الإفلاس، وشدة الألم عند ضياع المال، مما يؤدي إلى الشيخوخة المبكرة، ويولد اليأس والإحباط، وربما الانتحار، وكم كان القمار سببا في أمراض القلب والشرايين، وانفجار الأوعية الدماغية المفاجئة، والإصابة بالشلل والفالَج، وهكذا القمار وخطورته، وموقف الإسلام الشديد في تحريمه، لما يسببه من أكل للمال بالباطل، ومن شقاق ونزاع بين الناس، وما يورث صاحبه من توترات واضطرابات، قد تصل إلى أمراض عصبية خطيرة، وأن القمار عندنا تحركه أياد خفية، تريد تطبيع المسلمين معه، وجعله ظاهرة متفشية، تتكسر عندها كل دعوة للشجب والإنكار، وأيضا فإن هناك ظاهرة تؤرق الغيورين المجتهدين في التغيير.

 

وتؤرق الاقتصاديين التواقين إلى الاستثمار الحلال للأموال، وتؤرق السياسيين الذين يعملون لإيجاد مخرج من مأزق هذه الآفة الخطيرة، التي أصبحت عندنا أخطبوطا يتنامى يوما عن يوم، كلما حاول أصحاب النوايا الحسنة محاربته، كلما ازداد شراسة وضراوة، حتى صار واقعا يوميا، في الإدارات العمومية، والخاصة، وفي معظم المصالح التي أنشئت لخدمة المواطن، حتى قيل بأنها أقدم مهنة في البلاد، إنها الرشوة، التي أَرّقت العالم، فجعل لها يوم عالمى، ومع ذلك، لا تزيد الرشوة إلا استفحالا، متخذة طرقا جديدة، ووسائل فيها من المكر والخبث، ما جعل أصحابها في مأمن من المحاسبة، نعم، المحاسبة التي كانت في الإسلام مبدأ عظيما للحفاظ على المال العام والخاص، فقد استعمل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبو هريرة رضي الله عنه على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فَقَال له عمر “استأثرت بهذه الأموال، فمن أين هذا ؟” قَال “خيل نتجت، وغلة رقيق لى، وأعطية تتابعت علي” قال ابن سيرين ” فنظروا، فوجدوه كما قال” فلما كان بعد ذلك.

 

دعاه عمر ليستعمله، فأبى أن يعمل له، فقال له عمر” تكره العمل وقد طلبه من كان خيرا منك؟ طلبه يوسف عليه السلام؟” فقال أبو هريرة “إن يوسف نبي، ابن نبي، ابن نبي، ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أميمة، وأخشى أن أقول بغير علم، وأقضي بغير حلم، أو يضرب ظهري، وينتزع مالي، ويشتم عرضى” فهكذا كان الأمين على أموال المسلمين يسأل عن سبب ثراء موظفيه، وهكذا كان الموظفون يستقيلون من وظائفهم إذا علموا أن أصابع الشك قد تشير إليهم، وإمعانا في الاحتياط من استغلال النفوذ، قال العلماء “لا ينبغي للقاضي أن يتولى الشراء لنفسه، خشية المحاباة، ولا يشترى له من يُعلم أنه من طرفه، حفاظا على القاضي من ريبة الرشوة” ومن الصور المشرقة لورع الولاة وحرصهم على الأموال العامة للمسلمين، ما نقله ابن الجوزي عن موسى بن عقبة قال “لما ولي عياض بن غنم رضي الله عنه، قدم عليه نفر من أهل بيته يطلبون صلته، فلقيهم بالبشر، وأنزلهم وأكرمهم، فأقاموا أياما ثم كلموه في الصلة، وأخبروه بما لقوا من المشقة في السفر رجاء صلته.

 

فأعطى كل رجل منهم عشرة دنانير، وكانوا خمسة ، فردوها، وتسخطوا، ونالوا منه، فقال أي بني عم، والله ما أنكر قرابتكم، ولا حقكم، ولا بعد شقتكم، ولكن والله ما حصلت إلى ما وصلتكم به إلا ببيع خادمي، وببيع ما لا غنى بي عنه، فاعذرونى، قالوا والله ما عذرك الله، فإنك والي نصف الشام، وتعطي الرجل منا ما جهده أن يبلغه إلى أهله؟ قال فتأمرونني أسرق مال الله؟ فوالله لأن أشق بالمنشار أحبّ إليّ من أن أخون فلسا أو أتعدى” ومن أفضل تعريف للرشوة، هو تعريف الجرجاني الذي قال “الرشوة ما يعطى لإبطال حق، أو لإحقاق باطل” فالذى يدفع مالا لينجح في امتحان، أو مباراة وظيفة، أو تفويت صفقة لصالحه، يكون قد اعتدى على حق غيره المستحق لهذا المنصب بعلمه وكفاءته، فتشغل المناصب بأشخاص لا يملكون كفاءة، ولا يملكون ضميرا ولا إخلاصا، بل ربما مارسوا على المواطنين من ضروب التهاون والتماطل، ما يجرئهم على الابتزاز، وتحصيل المال من غير طريقه المشروعة، ومن عجب أن بعض موظفينا يسوغون أخذهم للرشوة.

 

بسبب ضعف رواتبهم الشهرية، التي لا تكفيهم لسد حاجاتهم، وهذا لعمرى من أعظم المغالطات التي يحاول بها هؤلاء إقناع أنفسهم، مع أن هناك ما يسمى برشوة الكبار، التي يتعامل بها أصحاب الرواتب المرتفعة، والمناصب العالية، إنه الجشع، وعدم الرضى بالقليل، ومنهم من يسوغ أخذ الرشوة بسبب انتشارها وذيوعها، حيث أصبحت جزءا من كيان المجتمع، وهذا لا دليل فيه، لأن أهل الخير في كل زمان قليل، وأهل الشر كثير، والعبرة ليست بكثرة الهالكين، فيقول تعالى “قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب” ويقول ابن القيم رحمه الله “فلا يُكترث بمخالفة الناكبين عنه له، فإنهم هم الأقلون قدرا، وإن كانوا الأكثرين عددا” ومن جميل قول الفضيل بن عياض رحمه الله “الزم طريق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين” فإن الرشوة من عمل اليهود، لقوله تعالى ” فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبِصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل” .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى