مقال

الدكروري يكتب عن الرسول ما بين الحصار والخروج ” جزء 8″

جريدة الاضواء

الدكروري يكتب عن الرسول ما بين الحصار والخروج ” جزء 8″

بقلم / محمـــد الدكـــرورى

 

ثم قدم بعده عامر بن ربيعة، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة، فهي أول ظعينة قدمت المدينة، ثم قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا، فنزلوا على الأنصار في دورهم، فآووهم، ونصروهم، وآسوهم، وكان سالم مولى أبي حذيفة، يؤمّ المهاجرين بقباء، قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما خرج المسلمون في هجرتهم إلى المدينة، كلبت قريش عليهم، وحربوا، واغتاظوا على مَن خرج من فتيانهم، وكان نفر من الأنصار بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيعة الآخرة، ثم رجعوا إلى المدينة، فلما قدم أول مَن هاجر إلى قباء خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، حتى قدموا مع أصحابه في الهجرة، فهم مهاجرون أنصاريون، وهم ذكوان بن عبد قيس، وعقبة بن وهب بن كلدة، والعباس بن عبادة بن نضلة، وزياد بن لبيد، وخرج المسلمون جميعا إلى المدينة، فلم يبقى بمكة فيهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

وأبو بكر، وعلي، أو مفتون، أو مريض، أو ضعيف عن الخروج، فكانت هذه نبذة خفيفة مما واجه به المشركون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مارسوا كل ذلك جنبا إلى جنب، متنقلين من طور إلى طور، ومن دور إلى دور‏، وهكذا لما فشلت قريش في مفاوضتهم المبنية على الإغراء والترغيب، والتهديد والترهيب، وخاب أبو جهل فيما أبداه من الرعونة وقصد الفتك، تيقظت فيهم رغبة الوصول إلى حل حصيف ينقذهم عما هم فيه، ولم يكونوا يجزمون أن النبي صلى الله عليه وسلم على باطل، بل كانوا كما قال الله تعالى “لفى شك منه مريب” فرأوا أن يساومو رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور الدين، ويلتقوا به في منتصف الطريق، فيتركوا بعض ما هم عليه، ويطالبوا النبي صلى الله عليه وسلم بترك بعض ما هو عليه، وظنوا أنهم بهذا الطريق سيصيبون الحق.

 

إن كان ما يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم حقا،‏ وروى ابن إسحاق قال اعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالكعبة الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاص بن وائل السهمى وكانوا ذوى أسنان في قومهم فقالوا‏ يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله تعالى فيهم‏ “قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد ” السورة كلها، وقيل أن قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فأنزل الله‏ تعالى “قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون” ولما حسم الله تعالى هذه المفاوضة المضحكة، بهذه المفاصلة الجازمة لم تيأس قريش كل اليأس، بل أبدوا مزيدا من التنازل.

 

بشرط أن يجرى النبي صلى الله عليه وسلم بعض التعديل فيما جاء به من التعليمات، فقالوا‏ “أئتى بقرآن غير هذا أو بدله” فقطع الله هذا السبيل أيضا بإنزال ما يرد به النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، فأظلمت أمام المشركين السبل بعد فشلهم في هذه المفاوضات والمساومات والتنازلات، واحتاروا فيما يفعلون وكأنهم لما رأوا صموده صلى الله عليه وسلم في وجه كل التحديات، ورفضه كل المغريات، وصلابته في كل مرحلة مع ما كان يتمتع به من الصدق والعفاف ومكارم الأخلاق قويت شبهتهم في كونه رسولا حقا، فقرروا أن يتصلوا باليهود حتى يتأكدوا من أمره صلى الله عليه وسلم، فلما نصحهم النضر بن الحارث بما سبق كلفوه مع آخر أو آخرين ليذهب إلى يهود المدينة، فأتاهم فقال أحبارهم سلوه عن ثلاث، فإن أخبر فهو نبى مرسل، وإلا فهو متقول، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول،ما كان أمرهم‏؟‏ فإن لهم حديثا عجبا.

 

وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه‏؟‏ وسلوه عن الروح، ما هي‏؟‏ فلما قدم مكة قال‏ جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، وأخبرهم بما قاله اليهود، فسألت قريش رسول صلى الله عليه وسلم عن الأمور الثلاثة، فنزلت بعد أيام سورة الكهف، فيها قصة أولئك الفتية، وهم أصحاب الكهف، وقصة الرجل الطواف، وهو ذو القرنين، ونزل الجواب عن الروح في سورة الإسراء‏، وتبين لقريش أنه صلى الله عليه وسلم على حق وصدق ولكن أبي الظالمون إلا كفورا‏، ثم كانت الخطوة الأشد بعدما فعلت قريش كل ما تملك من أساليب للصد عن دين الله وأمام إصرار أبي طالب على حماية ابن أخيه فكان قرار المقاطعة العامة والحصار للمؤمنين حتى يموتوا جوعا، اجتمعوا في خيف بني كنانة من وادى المُحصّب فتحالفوا على بني هاشم وبني المطلب ألا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم.

 

ولا يكلموهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل، وكان الغرض من كل ذلك هو إحباط الدعوة الإسلامية، ولمّ شعث الكفر، ولكنهم بعد بذل كل الجهود واختبار كل الحيل عادوا خائبين، ولم يبق أمامهم إلا السيف، والسيف لا يزيد الفرقة إلا شدة، ولا ينتج إلا عن تناحر يستأصل الشأفة، فاحتاروا ماذا يفعلون‏.‏

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى