مقال

الدكروري يكتب عن الإفساد في الأرض “جزء 5”

جريدة الأضواء

الدكروري يكتب عن الإفساد في الأرض “جزء 5”

بقلم/ محمـــد الدكـــروري

 

وكذلك علو الهمة في التحلي بالأخلاق فعلو الهمة يستلزم الجد، ونشدان المعالي، والترفع عن الدنايا ومحقرات الأمور والهمة العالية لا تزال بصاحبها تزجره عن مواقف الذل، واكتساب الرذائل، وحرمان الفضائل حتى ترفعه من أدنى دركات الحضيض إلى أعلى مقامات المجد والسؤدد، قال ابن القيم رحمه الله ” فمن علت همته، وخشعت نفسه، اتصف بكل خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه، اتصف بكل خلق رذيل” وقال رحمه الله ” فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها، وأفضلها، وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار، فالنفوس العلية لا ترضى بالظلم، ولا بالفواحش، ولا بالسرقة ولا بالخيانة، لأنها أكبر من ذلك وأجل، والنفوس المهينة الحقيرة الخسيسة بالضد من ذلك”

 

فينبغي على المرء ان يوطن نفسه على معالي الأمور والأخلاق ويتنزه عن سفسافها، وأن يتخذ الناس مرآة لنفسه فكل ما كرهه، ونفر عنه من قول أو فعل أو خلق فليتجنبه، وما أحبه من ذلك واستحسنه فليفعله وصدق، ولذلك يقول لقمان الحكيم” تعلمت الحكمة من الجهلاء، فكلما رأيت فيهم عيبا تجنبته، ولهذا كان الصحابة يسألون الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، عن الخير، وحذيفة اليمانى رضي الله عنه، يسأله عن الشر مخافة أن يدركه، وأيضا من وسائل البعد عن الفساد هو مصاحبة الأخيار وأهل الأخلاق الفاضلة، فالمرء مولع بمحاكاة من حوله، شديد التأثر بمن يصاحبه، فالجبان قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يخوض في خطر، ليحمي صديقه من نكبة، والبخيل قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يبذل جانبا من ماله لإنقاذ صديقه من شدة.

 

فالصداقة المتينة لا تحل في نفس إلا هذبت أخلاقها الذميمة فإذا كان الأمر كذلك فما أحرى بذي اللب أن يبحث عن إخوان الثقات حتى يعينوه على كل خير، ويقصروه عن كل شر فينبغي على المرء أن يحسن اختيار الصاحب، لأنه يكون على هديه وطريقته ويتأثر به، كما قيل الصاحب ساحب، حتى لو أردت أن تعرف أخلاق شخصٍ فسأل عن أصحابه، وكذلك الاقتداء بأخلاق الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فهو القدوة والأسوة والمثل الأعلى في مكارم الأخلاق حيث شهد له ربه عز وجل بقوله فى كتابه الكريم فى سورة القلم ” وإنك لعلى خلق عظيم ” وكان الصحابة دائما يسألون عن أخلاقه ليمتثلوا به ويقتدوا بأخلاقه صلى الله عليه وسلم، فقد سئلت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها عن أخلاقه فقالت ” كان خلقه القرآن ” رواه مسلم.

 

وﺭﻭﻱ ﺃﻥ ﺃﻋﺮﺍﺑﻴﺎ ﻗﺎﻝ للإمام ﻋلي بن أبى طالب رضي الله عنه “عدد ﻟﻨﺎ ﺃﺧﻼﻕ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ صلى الله عليه وسلم، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﻋﻠﻲ رضي الله عنه، ﻫﻞ ﺗﻌﺮﻑ ﺍﻟﻌﺪ ؟ ﻗﺎﻝ ﻧﻌﻢ، ﻓﻘﺎﻝ علي رضي الله عنه “ﻋﺪ ﻟﻲ ﻣﺘﺎﻉ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ” ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻷﻋﺮﺍﺑﻲ، ﻣﺘﺎﻉ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻻ ﻳُﻌﺪ، ﻓﻘﺎﻝ ﻋﻠﻲ رضي الله عنه” ﻋﺠﺰﺕ ﻋﻦ ﻋﺪ ﺍﻟﻘﻠﻴﻞ” ﺇﺫ ﻳﻘﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ تعالى كما جاء فى سورة النساء ” قل متاع الدنيا قليل ” ﻭﻃﻠﺒت مني ﻋﺪ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ، حيث ﻳﻘﻮﻝ تعالى ” وإنك لعلى خلق عظيم ” وأيضا من وسائل البعد عن الفساد هو النظر في سير السلف الصالح، فهم أعلام الهدي، ومصابيح الدجى، وهم الذين ورثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هديه، وسمته وخلقه، فالنظر في سيرهم، والاطلاع على أحوالهم، وقراءة تراجمهم مما يحرك العزيمة على اكتساب المعالي ومكارم الأخلاق.

 

ذلك أن حياة أولئك تتمثل أمام القارئ، وتوحي إليه بالاقتداء بهم، والسير على منوالهم، وهكذا فإن لحسن الخلق ثمرات وفوائد تعود على صاحبه في الدنيا والآخرة وتتمثل فى محبة الخلق فإن الفرد إذا حسنت أخلاقه أحبه الناس وأقبلوا على معاملته والزواج منه واشتهر بصدقه وأمانته وهذا الذي دفع السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها إلى اختيار الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ليتجر في مالها ثم الزواج منه لصدقه وأمانته فقد كان مشهورا بين قريش بالصادق الأمين وكل هذا قبل البعثة، وحسن الخلق قوام الحضارات، فالحضارات والأمم تبني على التعاون والتشارك والصدق والأمانة في البيع والشراء وسائر القيم والأخلاق الفاضلة أما إذا انتشر الكذب والنفاق والغش والخداع والتضليل والقهر والظلم والربا والاحتكار وانتشرت الجرائم من السرقة والزنا والقتل والتفجير والتخريب فأنى لقيام الحضارات؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى